ابن كثير

68

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

عبد الكريم بن الهيثم ، حدثنا إبراهيم بن بشار ، حدثنا سفيان قال : قال أبو سعيد : قال عكرمة ، عن ابن عباس قال : أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين ، قال : فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبا من المدينة ، وهي أريحاء ، فبعث إليهم اثني عشر عينا من كل سبط منهم عين ، ليأتوه بخبر القوم ، قال : فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيما من هيئتهم وجسمهم وعظمهم ، فدخلوا حائطا « 1 » لبعضهم ، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه ، فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم ، فتبعهم فكلما أصاب واحدا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة ، حتى التقط الاثني عشر كلهم ، فجعلهم في كمه مع الفاكهة ، وذهب بهم إلى ملكهم فنثرهم بين يديه ، فقال لهم الملك : قد رأيتم شأننا وأمرنا ، فاذهبوا فأخبروا صاحبكم ، قال : فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم . وفي هذا الإسناد نظر وقال علي بن أبي طلحة : عن ابن عباس لما نزل موسى وقومه ، بعث منهم اثني عشر رجلا ، وهم النقباء الذين ذكرهم اللّه ، فبعثهم ليأتوه بخبرهم ، فساروا فلقيهم رجل من الجبارين ، فجعلهم في كسائه ، فحملهم حتى أتى بهم المدينة ، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه ، فقالوا من أنتم ؟ قالوا : نحن قوم موسى ، بعثنا نأتيه بخبركم ، فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل ، فقالوا لهم اذهبوا إلى موسى وقومه ، فقولوا لهم هذا قدر فاكهتهم ، فرجعوا إلى موسى فأخبروه ، بما رأوا ، فلما أمرهم موسى عليه السلام ، بالدخول عليهم وقتالهم ، قالوا : يا موسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، رواه ابن أبي حاتم ، ثم قال : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا يحيى بن أيوب ، عن يزيد بن الهادي ، حدثني يحيى بن عبد الرحمن ، قال : رأيت أنس بن مالك ، أخذ عصاه فذرع فيها بشيء لا أدري كم ذرع ، ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسا وخمسين ، ثم قال : هكذا طول العماليق . وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا أخبارا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين ، وأن منهم عوج بن عنق ، ابن بنت آدم عليه السلام ، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا وثلث ذراع ، تحرير الحساب ، وهذا شيء يستحى من ذكره ، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال « إن اللّه خلق آدم وطوله ستون ذراعا ، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن » « 2 » ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا ، وأنه كان ولد زنية ، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح ، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته ، وهذا كذب وافتراء ، فإن اللّه تعالى ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين ، فقال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] وقال تعالى : فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ [ الشعراء : 119 ] وقال تعالى : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [ هود : 43 ]

--> ( 1 ) الحائط : البستان المسوّر . ( 2 ) صحيح البخاري ( أنبياء باب 1 )